الشيخ فاضل اللنكراني
26
دراسات في الأصول
على مخالفته ، فإنّ قيام الخبر على وجوب صلاة الجمعة يجعلها واجبة بالنسبة إليه وهو قد خالفها ، فيتحقّق العصيان . وأمّا في مورد الأمارات ، مثل : قيام الاستصحاب على وجوب صلاة الجمعة وعدم إتيان المكلّف بما يكون واجبا بمقتضى الاستصحاب ، فلا يصدق هنا عنوان التجرّي ؛ إذ المقصود من الشكّ في « لا تنقض اليقين بالشكّ » هو الشكّ الفعلي الاستقراري ، لا الشكّ المستمرّ إلى الأبد ، فلا بدّ من الالتزام بجعل الحكم المماثل والظاهري في مورد جريان الاستصحاب ، ومعلوم أنّ مخالفة الحكم الظاهري اللزومي معصية ، بلا فرق بين مخالفته للواقع ومطابقته . وهذا بخلاف قاعدة الطهارة والحلّية لجعلهما تسهيلا وامتنانا على العباد في مشكوك الطهارة والحلّية ، وليس لهما لزوم الموافقة والمخالفة . الأمر الثالث : أنّ القطع قد يكون طريقيّا وقد يكون موضوعيّا ، والقطع الطريقي ما لم يؤخذ في لسان الدليل وموضوع الحكم ، كما إذا قال الشارع : « لا تشرب الخمر » وحصل القطع للمكلّف بخمريّة مائع في الخارج ، والقطع الموضوعي : ما اخذ في موضوع الحكم ولسان الدليل بعنوان تمام الموضوع أو جزء الموضوع ، كقوله : « لا تشرب مقطوع الخمريّة » ، مثلا : إذا شربه القاطع ، لا يقال له : إنّه متجرّي ، بل يقال له : إنّه عاص ؛ لتحقّق موضوع حكم الشارع وإن لم يكن بحسب الواقع خمرا . إذا عرفت هذا فيقع البحث في التجرّي - بمعنى نيّة المعصية وارتكاب ما لا تكون معصية واقعا - مرّة في ترتّب استحقاق العقوبة عليه وعدمه ، وأخرى في حرمته وعدمها ، وثالثة في قبحه وعدمه ، ولا إشكال في كون البحث على الأوّل كلاميّا ، كما لا إشكال في كونه بحثا فقهيّا على الثاني ، وأمّا على الثالث